عبد الملك الجويني
46
نهاية المطلب في دراية المذهب
دخل عليك وقت الصلاة فأذّن وارفع صوتك ؛ فإِنه لا يسمع صوتك حجر ولا مَدَر إِلا يشهد لك يوم القيامة " ( 1 ) . ومن أئمتنا من قال : إِن كان يرجو حضورَ جمع ، رفع صوته ، وإِن كان لا يرجو أذَّنَ في نفسه ، وحديث أبي سعيد الخدري وقول الرسول له ليس نصاً في حالة انفراده ؛ فإِنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لذلك ، وليس يبعد عن الحال أنه كان يتبدّى ( 2 ) مع عُصبة من خدمه وحشمه . 687 - فهذه مسائل أرسلناها وحكينا ما قيل فيها ، ونحن الآن نبغي فيها ضابطاً ، ونؤثر تخريج محل الوفاق والخلاف عليه إِن شاء الله تعالى . فالغرض الأظهر الذي انبنى عليه أصل الأذان إِظهار الدعاء إِلى الصلاة ، وإِعلام الناس دخول الوقت ، والغرض من الإِقامة إِعلام من حضر أو قرب مكانُه ممن يحضر أَنَّ الصلاةَ قد قامت ، وهذا واضح بينٌ . ثم من اندرج تحت الدعاء وحضرَ الجمع ، فهو مدعوٌّ مجيب ، فلا يؤذن ولا يقيم ، ومن لم يحضر أصلاً ، ولزم موضعَه ، ولكن
--> ( 1 ) حديث أبي سعيد أخرجه البخاري مع اختلاف في اللفظ : الأذان ، باب رفع الصوت بالنداء ، ح 609 ، ورواه مالك في الموطأ على نحو البخاري : ص 69 ، الصلاة ، ح 5 . هذا . وسياق إِمام الحرمين للحديث مخالف لما في البخاري والموطأ ، وقد تبعه في هذا الغزاليُ في الوسيط ، قال النووي في تنقيح الوسيط : هذا الحديث مما غيره المصنف ، وشيخه ، وصاحب الحاوي ، والقاضي حسين ، والرافعي ، وغيرهم من الفقهاء ، فجعلوا النبي صلى الله عليه وسلم هو قائل هذا الكلام لأبي سعيد ، والصواب ما ثبت في صحيح البخاري والموطأ وجميع كتب الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري أنّ أبا سعيد الخدري قال له : " إِني أراك تحب الغنم والبادية . . . . " قال أبو سعيد : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ا . ه وقد نقل الحافظ اعتذار ابن الرفعة عن الأئمة الذين أوردوا الحديث مغيَّراً ، لكنه قال : إِن في جوابه تكلفاً . ( ر . التنقيح للنووي ، ومشكل الوسيط لابن الصلاح - بهامش الوسيط : 2 / 43 ، 44 ، التلخيص : 1 / 193 ح 285 ) . وأخيراً - ونحن نراجع تجارب الطباعة - ظهر البدر المنير مطبوعاً ، فرأينا ابن الملقن يقول ( 3 / 311 ) : " وأبدى ابن الرفعة في مطلبه عذراً حسناً لهؤلاء الجماعة " فانظر الفرق بين الموقفين من اعتذار ابن الرفعة . ( 2 ) أي يخرج إِلى البادية .